الأحد، 15 ديسمبر 2013

نشوة الحياة

رقراقةٌ تمضي دون أن تدرك أنها تسير في طريق وعر، تتجول وفي يدها شتلاتٌ من الورد الأبيض، وكأنها تبحث عن سلامٍ داخليٍّ يروق لها، وينهي حرباً داميةً بين فؤادها المكلوم وماضيها المعتوه.
تنظر بعينيها إلى الأمام وهي على أملٍ بأن النور سيشعُّ في الأفق البعيد.
جمعت حروفها المبعثرة، وفكَّت حزامها المقيّد، وانطلقت تبحث عن الضياء اللامع بين الأشواك التي تحيد عنها بحذر وهي تسير لعلَّها تصل إلى ما تصبو إليه.
في ماضيها المعتوه البائس كلابٌ تنبح وذئابٌ تعوي وهي وسط هؤلاء ترتجف وترتبك، الخوف يملأ فؤادها الرقيق، والعجز طال شفتيها، لم تدري ماذا تفعل وسط هذا الجمع السوداوي، خرس لسانها، دمعت عيونها، ودَّت لو تفترسها الأرض وتعيش في أحشائها بين الدود والجرذان.
لكنها صمّمت على الرحيل وبآية "وجعلنا من بين أيديهم سدّا ومن خلفهم سدّا فأغشيناهم فهم لا يبصرون" انطلقت، رفعت رأسها عالياً، نظرت إلى السماء، تأملت القمر  وهي تسير برفقٍ بين الكلاب والذئاب، غير مبالية بنبيحهم وعوائهم.
بينها وبين القمر قصة عشقٍ أبدية، تتغذى من نوره الذي ملأ أرجاء الأرض، يجعلها تبتسم رغم جرح قلبها، تجالسه في وحدتها، تتغزل به ويتغزل بها، كيف لا وهو أنيس وحدتها ووحشتها، ترتجف روحها عند ولادته، يرنّ فؤادها عند اكتماله، تداوي جروح ماضيها بمناجاته.
في مسيرها الطويل تجلس وتستريح، وقلبها يفور سعادةً بأنها نجت من حيوانات بشرية تتربص بها، فيمرّ جسدها من بين هؤلاء دون أن يُدركوا أنها مرَّت، فبركة الآية التي رتّلتها تجلّت، وبتشجيع قمرها مرَّت، وبقوة أملها الذي ينتظرها سارت دون توقّف.
جلست تتأمل عشيقها، نظرت إليه مليّاً متأملةً بياض قلبه الناصع، وهنا نطقت بعد صمتٍ طويل وخاطبته قائلةً:
"أيها القمر..دعني أبوح لك بأسراري، فأنت لي مستودع آمالي، دعني أبكي وأذرف دمعةً علّها تزول لها آلامي"
فشهقت شهقةً تردّد صداها نحو الجبل البعيد، والسكون سيّدُ كل شيء، لا أحد سمع شهيقها إلا القمر.
هدأت وسارت، وبين ألمٍ وأملٍ أكملت مسيرها، حتى انقشع الليل الطويل وبدأت شمس الصباح بالإشراق، وعاد الضوضاء ليملأ الأرجاء بعد سكون مبطَّنٍ بالآلام، فاستيقظت تلك الشقراء بعد أن افترشت الأرض ونامت، ومن بعيدٍ أدركت النور فلمعت عيناها بالأمل، ورُسمت على شفتيها ابتسامة الرضا، وملامح البهجة قد بدت على وجنيتها، فسارت حتى أبصرت ذلك النور الذي حطَّم صنم آلامها وجعلها تشعر بنشوةٍ لم تعتاد عليها من قبل..هي نشوة الشعور بالحرية..نشوة الشعور بالحياة!



الاثنين، 26 أغسطس 2013

مدينة التقوى والسلام


حصلت الكارثة، وقدر الله لعباده المصلين أن يستشهدوا في بيته، ويرتقوا بأرواحهم عالياً إلى السماء محلقةً في جنان الخلد مطمئنة سعيدة.
ألف جريح ومصاب، وعشرات المفقودين، وأضرار في المساكن والمتاجر.
حلّت المصيبة، وكانت المحنة، لكنها بعون الله تحولت إلى منحة.

منحة تجسدت في نخوة الطرابلسيين ووحدتهم وصبرهم على الألم، فرغم شدة المصيبة وصعوبتها، توحدت طرابلس بكل أطيافها وألوانها، فظهر الحب وتجسدت العونة وسادت الألفة، فاختلطت الألوان المتنوعة مشكلةً بذلك قوس قزحٍ أطلَّ على المدينة مواسياً لجراحها ومعزياً بنكبتها.

إنهم الطرابلسيون الأصليون الذين أعطوا الصورة الحقيقية لمدينتهم، حيث أن الشدائد جمعتهم ووحدتهم، وأن همتهم ناطحت الجبال والقمم، تكاتفوا وتعاونوا على بر وتقوى بسلام آمنين متكلين على الله مسبّحين، مشمّرين لسواعدهم وشاحذين لهممهم، هم على قلب رجل واحد، مبادرين مقبلين لا مدبرين، بمكانسهم جاءوا خدماً لبيوت الله، وبعرق جبينهم كدوا وتعبوا وضحوا وأزالوا الأنقاض ونفضوا عن المدينة غبار الفتنة والشرذمة.

فطرابلس تفتخر وتعتز بشباب تسلحوا بالتقوى والسلام، وسيبقى هذين المسجدين "التقوى" و"السلام" شاهدَيْن على إنجاز تحقق ومستقبل زاهر مترقب.

طرابلس هي الفيحاء، وهي صرح للعلم والعلماء، وهي مدينة التقوى والسلام.

الرحمة للشهداء والشفاء العاجل للمصابين والجرحى!





الخميس، 23 مايو 2013

صرخة طرابلسيّ..!!


انتهت ليلة طرابلس التي سجلت أعنف اشتباكات شهدتها المدينة منذ عقود من الزمن حاصدةً حوالي 17 شهيدا وأكثر من 100 جريح، ولم تنتهي معها مأساة الشعب الطرابلسي..
شاء القدر أن تدفع هذه المدينة ثمن مواقفها، وأن تُدمّر على يد زعران تتحكم بالمدينة وتهدد أمنها واستقرارها..

طرابلس التي لم تجد أحدا من يخيّط جرحها الذي ينزف كل يوم، ولم تجد من يخفف آلامها ويداوي أمراضها.
طرابلس التي تُتهم بأنها قندهار وبأنها مدينة الموت والإرهاب، فعاملوها على أساس اتهامهم لها وظنهم الخاطئ بها.
طرابلس التي تخلى عنها السياسيون والزعماء والنواب والوزراء الذين وصلوا إلى الحكم بأصوات أهلها، فكان هدفهم الحصول على الكرسي والمنصب متخلين عن أصحاب الفضل بذلك.

طرابلس التي تشكو آلام الفقر والحرمان وسوء المعيشة وبطالة الشباب..
طرابلس التي حرمت من عمليات التنمية الشاملة وأُهملت وعانت من المركزية وتوقفت أهم منابعها الاقتصادية والسياسية كالمعرض والمرفأ ومطار القليعات وسكة الحديد والمصفاة...فعاملوها وكأنها دولة أخرى خارجة عن حدود ونطاق الوطن.

طرابلس التي غفلت عنها وسائل الإعلام حيث لم تنقل ليلاً ما حدث من قصف بالسلاح الثقيل ودوي انفجارات هزّت أركان المباني والبيوت، فباتت مواقع التواصل الاجتماعي هي الملجأ الوحيد للمواطن اللبناني من أجل الاطّلاع على أخبار المدينة من أبنائها وشبكاتها المحلية.

طرابلس تعيش مأساة حقيقية، لن تستطيع حروفي ولا كلماتي أن تصف تلك المأساة، ولن تستطيع أن تعبّر عن مدى الهلع الذي يعيشه أهلها، ولن تستطيع أن تصف دموع سيدات فقدت أزواجهنّ، ولا أمهات فقدت أبنائهنّ..

طرابلس المجروحة لم تعد تستصرخ نجيب ميقاتي أو محمد الصفدي أو أحمد كرامي أو فيصل كرامي أو روبير فاضل أو سمير الجسر أو مصطفى علوش أو محمد كبارة أو مصباح الأحدب أو..أو..أو.. بل لم تعد تعترف بهم أصلاً، طرابلس تنادي رب السماء، وتستغيث برحمة الله ولطفه..

من يُوقف هذا الجرح النازف؟! من يُوقف مأساة أهلها؟! من يًوقف دموع أطفالها؟!
من..؟! من..؟! من؟!

سؤال أتركه دون إجابة، فمن يملك الجواب؟؟!







السبت، 6 أبريل 2013

الأقلام حين تثور!

وأخيراً عاد القلمُ لينطلق ويُغرّد بعد غيابٍ دام شهور، عاد ليحلّق في سماء الحروف كي يصيغُ منها كلماتٍ تشعُّ في الآفاق مسطّرةً بذلك ربيع حقيقي للقلم!

فالسبب الرئيسي في ثورة الشعوب وانتفاضتها وخروجها من ظلامٍ قاتل إلى نور الحرية المشتعل هو انتقال الأقلام من صياغة حروف المدح والتبجيل للسلاطين إلى إشعال ثورة حروفٍ قاتلة حاربت الظلم والطغيان وانتصرت لكرامة الإنسان والبلدان.

هذه الأقلام لا بدّ لها أن تكون في خدمة قضايا البشرية ونصرة المظلوم ووقف يد الظلم والتهميش التي تطال الضعفاء وأصحاب الفكر.

فالصحافي والإعلامي والأديب والكاتب والشاعر والسياسي ورجل الدين..مُطالبون بالانضمام إلى هذه الثورة فبأقلامهم يستطيعون أن يُغيروا هذا الواقع ويستنهضوا وعي الشعوب التي عاشت عصوراً من الاستعباد والذل.
فلا بدّ أن تكون أقلام هؤلاء حرّة، لا يسيّرها زعيم أو حاكم أو رئيس، أن تنتصر وتعلو وتسطّر الأمجاد والبطولات في نصرة الحق والوقوف مع الشعوب ومحاكاة آلامهم والترويج لقضاياهم على أوسع نطاق كي يسمعها القريب والبعيد، الحاكم والمحكوم، القاصي والداني..كي يسمعها أصحاب العقول الصلبة المتحجرة والقلوب المريضة..كي يسمعها كل من يستعبد أو يستبد..!

فالثورات انطلقت بأقلامٍ صاغت المعاناة بكلماتٍ بسيطةٍ مستقاة من وحي الواقع المؤلم، فانطلق صداها إلى كافة الأرجاء فثارت الشعوب على أثرها وانتفضت محققةً بذلك انتصاراً ساحقاً على الفساد أينما كان وأينما حلّ.
ففي تونس لم يكن سليم عمامو معروفاً إلا من خلال مدونته الالكترونية التي أودت به إلى السجون بسبب تغطيته لأحداث بو زيد ونقله للحقيقة كما هي دون تمثيل أو افتراء، وبعد أن سقط نظام بن علي أصبح عمامو وزير دولة لشؤون الشباب والرياضة في حكومة الشعب والثورة!
المدون التونسي سليم عمامو

وفي مصر مجرّد كلماتٍ كُتبت باللهجة العامية المصرية أدَّت إلى تحرك الملايين نحو ميدان التحرير فأسقطوا بإرادتهم وعزمهم الظلم مضيئين بذلك شعلة الحرية!
وكذلك توكل كرمان التي أشعلت انتفاضة اليمن وشعبه في وجه من يسمّى بصالح وهو من الصلاح بعيد، وقِس على ذلك في سوريا حيث لم تعجز أقلام أحرارها عن التدوين ونقل حقيقة إجرام النظام وجبروته حيث تعرّض الكثير من المدونين للسجن والتعذيب والتنكيل كرزان غزاوي وحسين غرير ومازن درويش وهاني الزيتاني وأحمد أبو الخير وطلّ الملوحي... وبذلك صُنّفت سوريا ضمن أكثر 12 دولة معادية للإنترنت!

حسين غرير و مازن درويش و هاني الزيتاني
نعم! إنه القلم إن سخّرناه من أجل نقل المعاناة والألم، إنه القلم! به ثار الشعب وانتقم، إنه القلم! فثمّة سورة قرآنية سميّت به واستهلّت بـ"ن والقلم"!

لذلك تكمن أهمية القلم بالذي يجاهد بالكلمة والحرف ويتغنّى بالحرية التي نادى بها عمر بن الخطاب من قرون طويلة: "كيف استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟!".
هذا هو حال الأقلام حين تثور، فهي بالحق تعلو وتعلو وتدوم!

الاثنين، 31 ديسمبر 2012

2013 على طريقتنا!


تمضي الأعوام تلو الأعوام، ونحن نودعُ عاماً ونستقبل عاماً كلٌّ على طريقته، فمن الناس من تحتفل وتفرح بقدوم عامٍ جديد، ومنهم من تستهويهم الحفلات الفنية المتنوعة في مطعمٍ أو نادٍ ليليٍ ترفيهي يقضون وقتهم في احتساء الخمور والغناء والرقص والطعام الفاخر، وفئةٌ من الناس تبقى في منزلها تقلّبُ في التلفاز كي تُتابع توقعات العام الجديد من المنجمّين ..
كلٌّ يحتفلُ على طريقته، وكلٌّ يغنّي على ليلاه.
في هذه التدوينة الأخيرة لهذا العام أردتُ أن أحتفل بطريقتي وأمارس طقوسي الخاصة في استقبال العام الجديد وخصوصا أن ذكرى ميلادي تكمن في أول يوم من أيام السنة الجديدة.
قليلٌ منّا يُدرك أنَّه خسِر عاماً من حياته، وبأنه أمضى 12 شهر يعني 365 يوم يعني 8760 ساعة يعني 525600 دقيقة، هل يفكر الواحد منا كيف أمضى تلك الدقائق والساعات والأيام؟!
هل ضيّع وقته بأمورٍ ليس لها قيمة، أم هل أمضى تلك الساعات في فراغٍ قاتل ليس له إلا فنجان قهوة ونفس نرجيلة؟!
هل قضى سنته الماضية بشتم هذا، وسبّ ذاك، وباستغابة فلان وبنهب علّان؟!
للأسف، كثيرٌ منّا لا يسأل نفسه تلك الأسئلة، ولا يقيّم عامه الذي مضى، ماذا قدّم وما هي إنجازاته ومجالات نجاحه، وبماذا فشل، وما هي الأهداف التي حققها والتي لم يحققها؟؟
الكثير يظن بأن الوقت لا قيمة له، وغفل أولئك بأن الوقت هو الحياة، وبأنّ كل سنة تمر وتمضي هي خسارة عام من حياتنا، ليست العبرة بانتهاء عام واستقبال عام هو الاحتفال والفرح، فقد يبكي الإنسان على أوقاتٍ ضيّعها وأهدافٍ لم يحققها ويقول يا ليتني عملت وفعلت! ذلك الإحساس الذي يجب أن يراودنا جميعا، إحساس محاسبة وتقييم النفس والشعور بالتقصير.
لذلك أدعو كل من يُدرك عظمة وقته، أن يُشاركني تلك الطقوس، في ليلة رأس السنة أنصحك بهجر الحفلات والمطاعم والملاهي والتلفاز.. وأن تجلس مع نفسك وبيدك ورقة وقلم وتبدأ بتقييم عامك الذي مضى وأن تجيب على تلك الأسئلة:
ما هي الأهداف التي حققتها؟
ما هي الأهداف التي لم أحققها؟
ما هي الإخفاقات التي وقعت فيها؟
ما هي العادات السيئة التي تخلصت منها؟
ما هي العادة الإيجابية التي اكتسبتها؟
هل أخطأتُ بحق أحدٍ من البشر؟
بعد إجابتك على تلك الأسئلة أعطِ تقييماً لنفسك ثم ادعُ الله بأن يبارك في إنجازاتك وأن يغفر ويعفو عن زلاتك وسيئاتك..
بعدها ابدأ بصياغة عامك الجديد عبر كتابة أهدافك الكبرى التي تنوي تحقيقها في ذلك العام، ووضع خطة عمل عامة لكيفية تحقيق تلك الأهداف على أن تكون واقعية وليست خيال، ثم ارصد عاداتك السيئة التي تنوي إزالتها وسبُل التخلص منها، وبعدها عادةٌ حسنة تنوي اكتسابها والتحلّي بها واسأل الله في أن يكون العام القادم عام خيرٍ وإنجازٍ ونجاح.
برأيي محاسبة نفسك وتقييمها والتخطيط للعام المقبل خير احتفال تقوم به، بل أرقى عملٍ تفعله في تلك الليلة، ولا تنس وطنك وأمتك من الدعاء لها بالخير وبالفرج القريب...
أسأل ربي أن يكون العام الميلادي المقبل عام خيرٍ وسلامٍ وأمانٍ على وطني لبنان وأملي أن أراه متحرراً من فساد الطائفية النتنة التي يزيّنها رجال السياسة والفساد ولا ننسى جارتنا ووطننا الثاني سوريا التي تنزف دماً من أجل كرامتها وحريتها، على أمل أن أراكِ يا أمتي في أبهى مكان وقد تصدّرتِ مكانتكِ وعزّكِ وشموخكِ وحضارتكِ الراقية.
دمتم بخير أعزائي وسامحوني إن أخطأت بحقّ أحدٍ منكم...إلى اللقاء في العام المقبل..